محمد باقر الملكي الميانجي
115
مناهج البيان في تفسير القرآن
عند الكتابة وقبل الكتابة ، وهذا النهي نهي تنزيهيّ بحسب ظاهر الأخبار . ولو لم يكن لفظ « قبل » في هذه الأحاديث لكان الواجب أيضا الأخذ بظاهر كلمة الشهادة أو يشهد وأمثالها ، والاستدلال بها على الحضور لشهود الواقعة ، ولكان الواجب تفسير الآية الكريمة بالتحمّل . وفي قبال هذه الروايات المؤيّدة بظاهر الآية والمفسّرة لها ما رواه في الوسائل 27 / 314 ، عن تفسير الإمام العسكري ، عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى : « وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا » قال : من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لإقامتها ، وليقمها ، ولينصح فيها ، ولا تأخذه فيها لومة لائم ، ليأمر بالمعروف ، ولينه عن المنكر . وواضح أنّ هذا الحديث لا يصح لمعارضة تلك الأخبار المصرّحة بأنّ المراد هو الدعوة قبل الشهادة . إن قيل : إنّ حمل الآية على تحمّل الشهادة لا على إقامتها وأدائها يوجب المجاز في إطلاق الشهداء على من يشارف الشهادة تنزيلا لما يشارف منزلة الكائن . قلت : لا إشكال في ذلك فإنّه إطلاق شائع في القرآن الكريم ، وكذلك في كلام العرب الفصيح . قوله تعالى : « وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ » . قال في لسان العرب 12 / 280 : سئم الشيء وسئم منه ، وسئمت منه أسأم سأما وسأمة وسآما وسآمة : ملّ . . . والسآمة : الملل والضجر . أقول : السأم هو التعب الروحي ، وسلب النشاط والجدّ ، وسلب الإقبال على الأمر ؛ وهو من الآفات والرذائل الروحيّة فلا بدّ من اجتنابه . ولا يجوز السأم والملل من الكتابة في صغير المعاملات وكبيرها . وقوله تعالى : « إِلى أَجَلِهِ » أي أجل الدين ، والجارّ متعلّق بالكتابة . وقد عمد - سبحانه - إلى ذكر الأجل بخصوصه لأهميته في المقام ، فإنّ كتابة الأجل في المعاملات والتداين تنزع أساس الخصومة ، الّتي تقع في أكثر المعاملات بين المتعاملين ، فلا يصحّ إهمال ما يريده سبحانه وتعالى منا في كتابة كبير الأمور وصغيرها . قوله تعالى : « ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا » .